قد أفلح من تزكّى!
تفكّرتُ في الصدقات, فوجدتُ علماً زاخراً, وحكَماً بالغةً, فتوالت الأفكار مع اقتراب العيد, ثمّة صدقة من
نوع خاص, بنكهة خاصة, تمتزج مع خَلوف الصائم فتغدو مِسكاً طاهراً, فيعلو عند ربه في الدرجات.
تفكّرتُ فيمَ تجب!! فوجدتها فُرضت من قوت البلد, طُعمةً للفقراء والمساكين, تَقيهم لهيب الأسعار, وبراثن
الاحتكار.
على مَن تجب؟
وتفكّرت على من تجب!! فتعجّبتُ من الحكَم الرائقة في الإجابة, فهي تجب على العبد والحر والذكر والانثى
والصغير والكبير من المسلمين, صدقةٌ عامةٌ اذن!! يتشارك الجميع فيها, فلا هي حكرٌ على فئة, ولا هي
مقتصرةٌ على شريحة, يتزاحم العبد والحرّ, ويتساوى الذكر والانثى, ويتعلّم الصغير من الكبير..!!
مكان إخراجها..
ثمّ تفكّرتُ في مكان إخراجها, فوجدتُ فقراء ومساكين البلد أولى, لسدّ حاجتهم وإغنائهم عن السؤال في
العيد, وهذا يجعل كل من يُخرج الزكاة يتحسّس أحوال جيرانه وأقاربه, حتى يحصل الاكتفاء, وهذا مدعاةٌ
لتطهير النفوس, وتآلف المجتمع, وكأنها نتيجة لا بد منها, وتصرّف بديهيّ بعد ترويض النفس على الجوع
والصبر والتحمّل..!!
ما هي الزكاة؟
ثمّ تفكّرتُ في كنه هذه الصدقة, فوجدتها صدقةً ظاهرة, لا ضرورة لإخفاءها, وكأنني أرى مشهداً حركياً يصوّر ليلة العيد, وقد اشترى كل من يريد إخراج الصدقة من قوت بلده, وجعل يبحث عن فقير أو مسكين, في صورة تكافليّة, صادقة, لن تراها الا في بلاد المسلمين, صورةٌ تختزل المشاعر الانسانية, والمنافع الاقتصادية, والسلام الاجتماعي..!!
فيكتمل عقد اللآلئ من الصدقات, والتي تحفّز المسلم في “سبع سنابل”, وتعرّفه بحقيقتها ومدعاتها: “تزكّيهم وتطهّرهم بها”, مقدمةً البدائل في الإظهار: “فنعمّا هي”, أو الإخفاء: “فهو خيرٌ لكم”, فتصل به إلى تربية نفسية, اقتصادية, اجتماعية, في نتيجة حتميّة لِ:
“قد أفلح من تزكّى”