دليل الحكم الشرعي للمشتقّات الماليّة…
في التدوينات السابقة استعرضنا شرح للمشتقات المالية وأنواعها: المستقبليّات، والخيارات، والعقود الآجلة، والمبادلات، بعد أن شرحنا ما هي المشتقات المالية في أول تدوينة، ونستكمل معكم شرح الحكم الشرعي للمشتقّات الماليّة..
هل يجوز بيع السلع بثمن مؤجّل وتسليم معجّل أو العكس؟
يجوز بيع السلع بثمن مؤجّل وتسليم حالّ، حتى لو تمّ عَرض سِعرين على المشتري ثمن بالآجل، وثمن حالّ، على أن يجري الاتفاق على أحد الثمنين، حتى لو كان الثمن الآجل أعلى من الثمن الحالّ، كما يجوز بيع سلع مؤجّلة بثمن حالّ، وهو بيع السَلَم.
وهل هذا ينطبق على تأجيل البَدَلين؟؟
أمَا تأجيل البَدَلين (الثمن والسلعة) فهو غير جائز في الشريعة الإسلاميّة، لحديث النبي صلى الله عليه وسَلَم في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، أي مؤجل بالمؤجل، وذلك لانطوائه على غَرَر عدم القدرة على التسليم في الوقت المتفق عليه، وغَرَر آخر في حال المشتقّات وهو بيع ما لا يملكه صاحبه عند البيع، في السلع المدرجة في الأسواق الماليّة، وهو أمر غير جائز شرعًا، ويزيد الغَرَر.
ما سبب تحريم تأجيل البَدَلين بتأثيره على الاقتصاد؟؟
كما أنّ النهي عن البيع مؤجّل البَدَلين لعلّة حماية الأسواق والاقتصاد والأسعار، لأنّ ممارسات المضاربين ستؤدي إلى اختلال في الاقتصاد والأسعار، وتشتدّ القيود والضوابط عند بيع النقود والعملات، وسائر الأموال الربويّة، فنرى أنّه في هذه الحالة لا يجوز تأجيل أحد البَدَلين ولا بد من التقابُض في مَجلِس العقد.
وإذا كان هذا التحريم واضح العلّة في السابق، فهو اليوم أوضح وأهمّ، بسبب انتشار التكنولوجيا واستخدامها في المضاربات، عبر منصّات التداول والأسواق الماليّة الرقميّة، فتزيد المضاربات وتتفاقم، وتصبح وسيلة سهلة للحصول على المال، على الرغم من أن هذا الاعتقاد الخاطئ قد يؤدي إلى خسارة المتعاملين لأموالهم، وضياع الكثير من الثروات بسبب المضاربات، مما يؤدي إلى ضرورة سدّ الذريعة إلى ذلك.
هل ما يحدث في سوق المشتقّات الماليّة بيع وشراء حقيقي؟؟
ومن الأهمية بمكان التعريج على المضاربات الوهمية التي تحدث في سوق المشتقّات الماليّة، فيحدث معاملات صوريّة (وهميّة) لترك انطباع لدى المتعاملين بتحرّكات الأسعار، الأمر الذي يقود المتعاملين إلى تقليد تلك المعاملات، مما يؤدي إلى حدوث النتيجة التي يريدها المضاربون بالأصل، وهذا ما يُعرف بالنّجَش، والذي يمكن القول بأنه نَجَش القرن الواحد والعشرين.
وللاستزادة بشكل أكبر تجد تفاصيل أوسع في كتاب الهندسة المالية الإسلامية..
إذاً ما الحكم الشرعي للمشتقات المالية؟
وهذا يقود إلى تحريم عقود البيع الآجلة، وعقود المستقبليّات، والخيارات، خاصّة وأنّ المستقبليّات والخيارات نشأت لأجل المضاربة وليس التحوّط.
ومن الأهميّة بمكان التنبّه على أن التسوية في نهاية العقد تؤدي إلى تعطيل عقد البيع بالأصل، فلا يحدث، على الرغم من أن الاتفاق في البداية كان على أساس عقد بيع، فلا يجري في النهاية تمليك للسلعة من البائع إلى المشتري، وهذا يعني بأن المبلغ الذي يقبضه الرابح من عملية التسوية لا يعتبر ربحًا عن السلعة التي اشتراها في حال كان المشتري هو الرابح، أي أنه لا يسمّى ربحًا من عقد بيع، لأن عقد البيع لم يتم بالأصل، بل هو كسب عن مقامرة ورهان تمّت مع العاقد الآخر.
هل يدخل ذلك في بيع العينة؟
وحتى لو افترضنا بأنها عملية بيع، وتم التمليك (وهو لم يحدث)، فإن هذا يعني بأن المشتري في العقد اتفق مع البائع على شراء أصل قيمته 100 مثلاً ب 90، وأعاد بيعه للبائع ب 100، فيحدث التقاصّ على 10 يدفعها البائع للمشتري (التسوية)، وهذا هو بيع العينة، المنهي عنه شرعًا، لأن المشتري يعود ويبيع السلع للبائع مع فرق في السعر، والنهي عن بيع العينة باتفاق الفقهاء.
رأي مجمع الفقه الاسلامي وأيوفي؟
وأمّا مجمع الفقه الإسلاميّ فقد أصدر قرارًا بحرمة بيع السلع بتأجيل البَدَلين سواء انتهى العقد بتنفيذ فعلي عند حلول أجله أو بالتسوية ودفع الفروقات. وكذلك هيئة المحاسبة والمراجعة (أيوفي).